ابن حجة الحموي
36
خزانة الأدب وغاية الأرب
المملوكيّ كجمال الدين بن نباتة ، والقيراطيّ ، وصفيّ الدين الحلّيّ ؛ وقد لاقت استحسانا لافتا من كبار شعراء عصره وأدبائه ، فراحوا يقرّظونها نثرا وشعرا في كلّ من مصر والشام ؛ فمن الذين قرّظوها له علاء الدين بن أيبك ، والشيخ محمود الشافعي خطيب الدهشة بحماة ، والقاضي فتح الدين الشهيد ابن الشهيد ، وأبو بكر بن العجميّ ، وفخر الدين بن مكانس ، ومحمد بن الأنصاري الحنفي ، وجمال الدين يوسف ، ومحمود الأنطاكيّ ، وبدر الدين بن قاضي أذرعات ، وعبد الرحمن بن خلدون . ثمّ إنّ تلك التقاريظ على هذه القصيدة أعطت ابن حجّة الشهادة على تجربته العلنية الأولى في الشعر ، ما دفعه لحملها ، لا إلى ابن جماعة في دمشق وحسب ، بل لحملها إلى مصر حيث قرّظها له آخرون ، ثمّ إنّ القصائد التي ردّ بها على تلك التقاريظ ، رسّخت قدمه في فنّ القريض وشهدت لشاعريّته بالقوّة ، وفتحت له آفاقا جديدة من الصداقات هناك بين صفوف الأدباء والفقهاء والقضاة وأرباب الأقلام . وممّا يجدر ذكره أيضا أنّ ابن حجّة ، حتى تلك الفترة لم يكن قد اطّلع على شعر المتنبّي ، بل كان شعر ابن نباتة وشعر صفيّ الدين الحلّيّ هما أوّل شعر اطّلع عليه وثقفه وتبصّر فيه « 1 » ؛ ويبدو أن صحبته الطويلة لديوانيهما غرست فيه مجموعة من ميزات شعرهما في الصورة والتركيب والطريقة ، حتى تمكّنت منه فلم يعد قادرا على التفلّت من سلطانها ، حتّى بعد أن اطلع على ديوان المتنبّي ؛ ويبدو أنّ صداقته القديمة لديوان ابن نباتة ظلّت تشدّه نحو الطريقة النباتيّة ، حتى اتّخذها المثل الأعلى له في نظمه ونثره ، فجعلت منه تلميذا مخلصا بحقّ لابن نباتة « 2 » . وهذا يعني أنّ شاعريّة ابن حجّة قد ساهم في نضجها عاملان : أوّلهما الزجل ، وثانيهما تتلمذه على ابن نباتة قبل تتلمذه على المتنبّي ، إلّا أنّ شاعريّته قد نضجت على الطريقة النباتية واستقرّت عليها . ولا ننسى أنّ أولى قصائده التي نظمها في مطلع حياته بعد قصيدته الكافية ، القصيدة الرائية التي نظمها في المقرّ الأشرف « تمريغا » الأفضليّ ، كافل المملكة الحمويّة ، ومطلعها ( من البسيط ) : اللّه أكبر جيش الظلم قد كسرا * والحمد للّه جيش العدل قد نصرا « 3 »
--> ( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 4 / 236 . ( 2 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 92 . ( 3 ) ديوانه ورقة 26 أ ؛ وخزانة الأدب وغاية الأرب 4 / 236 .